الموضوعية في العلوم الاجتماعية

الموضوعية في العلوم الاجتماعية

الموضوعية في العلوم الاجتماعية

الموضوعية في العلوم الاجتماعية

 

تعتبر الموضوعية في العلوم الاجتماعية مفهوم أساسي لا يمكن على أي باحث علمي مختص بالعلوم الاجتماعية تجاهله عند القيام بإعداد وكتابة الدراسات الاجتماعية المتنوعة.

إن الموضوعية كمفهوم ليس أمراً طارئاً على العلوم الاجتماعية، فهي ظهرت منذ بدايات علم الاجتماع، وقد شهدت العقود الماضية الكثير من المناقشات وبين العلماء والباحثين الاجتماعيين حول مفهوم ودور الموضوعية في الدراسات والعلوم الاجتماعية.

فقد رأت نسبة كبيرة من التيارات الاجتماعية التي شككت بموضوعية وعلمية هذا العلم، معتبرين أن الباحث الاجتماعي لا بدّ له أن يظهر في دراسته الاجتماعية شخصيته ونفسه، لتستمر المناقشات بين مفهومي الشخصية الذاتية والموضوعية بعلم الاجتماع حتى يومنا هذا.

 

مفهوم الموضوعية بشكل عام:

 

يقصد بمصطلح الموضوعية عدم التحيز لأي شخص أو رأي بشكل مبني على الذاتية والأهواء الشخصية، وعدم الانحياز للآراء الجماعية المجهزة سابقاً حتى إن كانت هذه الآراء غير منطقية أو صحيحة.

والموضوعية من الأمور الأساسية المطلوبة في العمل العلمي من مختلف المجالات، لأن التحيز واتباع الأهواء الشخصية، غالباً ما يؤثر سلبياً على نتائج البحث.

فالابتعاد عن التوجهات الايديولوجية، وعن الأحكام القيمية، أمر أساسي عند البحث والدراسة لأي مشكلة او ظاهرة اجتماعية.

تطلق الموضوعية في العلوم الاجتماعية وبالعلوم الأخرى على فصل العلم عن العملية التطبيقية، وعن فصل الدراسات العلمية بما يتعلق بتوجيهات في التطبيق العملي.

تعتبر الموضوعية حالة وسمة للشيء أو الموجود باعتباره موضوعاً، وبالتالي هي من سمات الموضوعي، ويمكن اعتبارها من الاتجاهات العقلية التي ترتبط بالنظرة الى الأشياء وفق حقيقتها الواقعية، فلا تكون النظرة إليها نظرة ضيقة أو منحازة، لأن ذلك سيعطي نتائج مشوهة وغير صحيحة.

إن الموضوعية تساعد على أن يصل العقل لمعرفة الحقائق المتميزة بوجودها الواقعي، فتكون تلك الحقيقة المستقلة عن الأهواء الذاتية، ويكون إدراكها مبني على حقيقتها الموضوعية.

وبذلك يمكننا القول أن اليقين الموضوعي يفترض أن يستند على بعض الأسباب التي تفرض نفسها على جميع العقول، فإذا استقلت القيم الأخلاقية عن سلوك ورأي الفرد، فإنها فستكون سمتها أنها قيم موضوعية.

أما الحكم الموضوعي الأخلاقي فهو يحتاج لوجود بعض المعايير والعناصر العامة المحددة، والتي تجعل ذلك الحكم عاماً يمكن أن يتجاوز نطاق الذات الفردي، ليكون مشتركاً بين الأفراد.

مستويات الموضوعية في العلوم الاجتماعية:

الموضوعية في العلوم الاجتماعية لها مستويين، الاول مستوى وجودي أنطولوجي والثاني المستوى المنهجي.

المستوى الاول الأنطولوجي (الوجودي)، الذي يتصل بالمحتوى العياني للموضوعات، ووفقا لذلك يجري التفريق بين من يملكون نزعة موضوعية، ومن يملكون نزعة ذاتية، وذلك بما يتعلق بالاستقلالية للواقع عن ذهن الباحث العلمي الاجتماعي.

حيث يتوجه اهتمام أصحاب النظرة الموضوعية الى الاهتمام بالظاهر والمشترك والمحتوم، بينما لا نجد أية أدوار للخبرات والمعارف الذاتية بعمليات التفسير للوقائع أو الظواهر البشرية، وذلك على اعتبار أنها تمتلك وجود مستقل بنفسه عن ذهن المدرك.

أما أصحاب النظرة الذاتية الذين لا يعترفون بما يشكّله الادراك الانساني والخبرات والمهارات الذاتية المرتبطة بإرادة ومشاعر الافراد، سواء بالنسبة للأفعال أو الوقائع أو التجارب الحقيقية.

بينما يرتبط المستوى الثاني المنهجي، بأسلوب تناول الموضوعات التي ترتبط بالدراسات العلمية.

 

اعداد الأبحاث ونشرها

 

آراء حول الموضوعية في العلوم الاجتماعية:

  • الموضوعية حسب الفلسفة المدرسية:

إن الفلسفة المدرسية تطلق مصطلح الموضوعية على الموضوعات والأشياء التي يمكن للفكر أن يجسدها او يدركها، وهي لا تتوقف على اعتبارها حقيقة قائمة ومستقلة بحد ذاتها، فهي يمكن أن تكون متقابلة على ما يسمى الذاتي او الصوري.

وبذلك فإن المواضيع الموضوعية هي التي يمكن التفكير بها ويتم تمييزها من فعل التمثل ومن التفكير ذاته.

  • الموضوعية عند أفلاطون:

يعتقد العالم اليوناني أفلاطون أن المثل والأفكار لا تنتمي للعامل المادي، بل هي خارج هذا العالم المادي ومتواجدة بصورة مستقلة خارج الوعي الإنساني، والملخص لهذه النظرة تكون عبر موضوعية المثل.

  • رأي ماكس فيبر:

وعلى العموم فإن الخلافات حول الموضوعية في العلوم الاجتماعية ظهرت منذ عقود طويلة، ولكنها مع بداية القرن العشرين أصبحت من أكثر المواضيع التي تبحث من المتخصصين بهذا المجال.

طرح العالم ماكس فيبر في عام 1904م خلافه مع أعضاء جمعية السياسة الاجتماعية، والذي تمت تسميته "مساجلات حكم القيمة"، وقد تمحور حول أهمية ان تخلو الدراسة العلمية من أحكام القيمة.

حيث أكد ماكس فيبر وجهة نظره لجهة أن العلوم الاجتماعية من خلال الطبيعة الامبريقية لدراستها، تتناول الاحكام القيمية للأفراد بعلاقاتهم مع بعضهم البعض في الدراسة.

وبذلك فليس للباحث العلمي الاجتماعي ان يصدر أحكام قيمية عن الآخرين باعتباره أحدهم، لأنه وفقاً لذلك يدخل نفسه بالموضوع الذي لا يجب أن ينحاز فيه، بل يفترض ان يدرسه بشكل موضوعي.

فيجد الفرد الذي يقرأ الدراسة أن الباحث الاجتماعي بناءً على الموضوعية في العلوم الاجتماعية لا يقول له بأن هذا التصرف سليم أم لا، او هذه الظاهرة صحية او هي ليست كذلك، وبانه يفترض وفقاً لوجهة نظره أن يحافظ على الظاهرة او يعدلها او يقومها.

خلاف الرأي حول الموضوعية بين أجسن كونت وماكس فيبر:

يعتبر كتاب "دروس في الفلسفة الوضعية" الذي ألفه كونت من أهم الكتب التي تناولت الموضوعية في العلوم الاجتماعية، وقد أوضح من خلاله ان الواقع البيولوجي والواقع الاجتماعي يخضعان لحالة سوية يمكن الاطلاع عليها من خلال الدراسة.

إن الحالة السوية للمجتمعات هي حالة متطورة غير ثابتة، وهي خاضعة للعديد من القواعد التي يمكن التأكد منها، فالمجتمع كما الانسان يخضع لتطورات متعددة عبر المراحل المتنوعة لنموه.

يرى كونت أن علم الاجتماع يرتبط بالتأكد من الوقائع للوضع الصحيح في المجتمع الانساني بالمراحل المعاصرة من نموه، وهو يكشف مواطن المشكلات والعلل المجتمعية التي يمكن الانتقال وفقها من خطوة الى التي تليها.

وبذلك وجد كونت انه يفترض ان تفصل الدراسات الرئيسية عن التطبيق في العلوم الاجتماعية، بما يسمح التأكد من الحالة السليمة للواقع الاجتماعي.

من خلال البحث نجد أن ماكس فيبر قد سار بالاتجاه ذاته، عبر مقالاته العلمية التي أكدت على ضرورة الفصل للدراسات العلمية عن السياسات التنفيذية او التطبيقية.

وبناءً على هذه النظرة فإن مهمة العلم لا تكون بتعليم الأفراد ما يتوجب عليهم أن يفعلوه، بل معرفة ما يقوم الفرد بفعله، وإدراك هذه الأفعال، وما يمكن للأشخاص أن يقوموا به من افعال بناء على الظروف الموضوعية.

وبالنسبة للفروقات الرئيسية بين ماكس فيبر وأجست كونت فهي أن الاخير يعتقد بأن الاصلاح يشكّل مرحلة منفصلة بذاتها، وعلم متخصص بذاته، فلا يمكن استخدام أي نتائج للبحث العلمي والوسائل التابعة لها، عبر الوصول الى أهداف الاصلاح الاجتماعي المحددة بشكل علمي، بينما يعتقد فيبر بأن السياسات في التنفيذ أو التطبيق، والاستفادة من النتائج التي يصل اليها البحث العلمي الاجتماعي، من غير الممكن أن تعتبر علم مستقل بذاته، وذلك لأن السياسات التطبيقية تحكم الميول والآراء والايديولوجيات عند الأفراد.

وفي الختام نأمل أن نكون قد عرضنا بشكل واضح كل ما يرتبط بمفهوم الموضوعية في العلوم الاجتماعية.

 

 المصادر:

الموضوعية في علم الاجتماع،2021،صحيفة المثقف

 الموضوعية،2021،الموسوعة العربية

 الموضوعية في علم الاجتماع،2021،بوابة علم الاجتماع

 

يقدم موقع مبتعث للدراسات والاستشارات الاكاديمية العديد من الخدمات في رسائل الماجستير والدكتوراة لطلبة الدراسات العليا .. لطلب اي من هذه الخدمات اضغط هنا


ابقى على تواصل معنا ... نحن بخدمتك